إعلانات

ضع ماتريد هنا


‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفلسفة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفلسفة. إظهار كافة الرسائل

المفهوم الثالث: الحق والعدل مجزوءة III: السياسة حصري على أحلى باك




مجزوءة III: السياسة
 
المفهوم الثالث: الحق والعدل

* تقديم مفهوم الحق والعدل
عرفت المجتمعاتالإنسانية منذ القِدَم مشكلةَ توزيع الموارد والثروات التي تتميز طبيعيا بالندرة.فالواقع الإنساني موضوعٌ لنزاعٍ حَادٍّ يدور حول كيفية تقسيم ما يتم إنتاجه ومُراكمتهمن خيرات على مستوى مجتمع ما أو حتى على مستوى العالم كله، تقسيم يُمَكِّن من حفظ "النصيبالواجب" لكل طرف على نحو يسمح بالحديث عن نوع من "الحق" الذي ليسمجرد إقرار لواقع التفاوت على أساس القوة أو الامتياز، بل بالاستناد إلى قيمومعايير تتجاوز ما هو اعتباطي وتفرض نفسها كمبادئ وأصول لإقامة "العدل"الذي يجعل كل طرف يحظى بما يستحق على الوجه الذي يليق بكرامة الإنسان بما هو كائنعاقل له القدرة على بلورة سيرورة للتحكم في فاعليته على نحو قاصد وناجع.      
* الوضعية-المشكلة
يرتبط "الحق"و"العدل" بِنَسقِ القيم والمعايير الذي يضبط العلاقات التفاعلية فيمجتمع ما خلال فترة محددة، من حيث إنها علاقات قائمة على النزاع والتنافس بخصوصتوزيع الخيرات التي تكون مَحَطَّ اهتمام أعضاء المجتمع. فكيف يتحدد "الحق"؟هل يقوم على أساس ما هو طبيعي في الوجود الإنساني أم على أساس ما هو وضعي فيه؟ وماالعلاقة القائمة بين "الحق" و"العدل"؟ أيهما يُقَوِّم الآخر؟هل "الحق" هو الذي يُمثِّلُ أساس "العدل" أم العكس؟ وكيفيتحدد "العدل" في واقع الحياة؟ هل هو "مساواة" قائمة علىالتوزيع العام والمجرد أم أنه "إنصاف" يأخذ بما تقتضيه كل حالة فردية منمعاملة خاصة؟     
1- الحق بين الطبيعي والوضعي
* تحديد الإطار الإشكالي:ما هو الأساس الذي يقوم عليه "الحق"؟ هل هو طبيعي يتمثل في ما هو مشتركـوثابت بين الناس أم أنه وضعي يرتبط بما هو متعدد ومتغير في الحياة الإنسانية؟ هل "الحق"ثابت ومطلق أم أنه متغير ونسبي؟
* مفاصل المعالجة
يرى فلاسفة "الحقالطبيعي" (هوبز، إسـﭙـينوزا، لوكـ، روسو) أن الإنسان يتمتع، بمقتضى فرضية"حالة الطبيعة"، بـ"حق طبيعي" (droitnaturel)يُساوِي "الحرية المطلقة" التي تجعل الناس أحرارا ومتساوين بالطبيعة. ويتحدد"الحق الطبيعي" بكونه واحدا، ثابتا ومطلقا ؛ إنه الحق الذي يجعل بإمكان كلواحد أن يُوجَد ويَسلُكـ بحسب ما تقتضيه طبيعته. و"الحق"، بهذا المعنى،هو الذي يُوجَد في أساس إقامة "العقد الاجتماعي" الذي يبني"المجتمع المدني" كمجال لحفظ وحماية حرية وملكية الأشخاص بما هم أعضاء مُتساوُونبفضل القانون الذي يُجسِّدُ إرادة المتعاقدين.  
غير أن "الوضعانيةالقانونية" (le positivisme juridique) في استنادها إلى الواقع الفعلي تؤكد، خصوصا مع هانسكلسن (1881-1973 [HansKelsen])،أن ما يُسمى "الحق الطبيعي" يُعتبر مجرد وهم، لأنه يَفترض وجودَ طبيعةجوهرية للإنسان تتميز بالوحدة والثبات وتتعالى على الواقع التاريخي في تعددهوتغيره، في حين أن كل ما هو قائم في الحياة الفعلية للناس يتمثل في "الحقالوضعي" (le droit positif) الذي هو مجموعة من القواعد القانونية والقيمالأخلاقية التي يكون معمولا بها في مجتمع ما خلال فترة معينة. فـ"الحقالوضعي" أساس كل الحقوق التي يتمتع بها الناس، وهو خاضع في كل مجتمع لميزانالقُوَى الذي يؤدي إلى تعديله أو تجاوزه كلما دعت الحاجة إلى ذلكـ، ويتجلى على شكلمجموعة من المعايير التي تتراتب بشكل تنازلي انطلاقا من أسمى معيار (الدستور) إلىأدنى معيار (رخصة، عقد، شهادة)، حيث إن كل معيار لا تَثْبُت صلاحيته إلا بالنسبةللمعايير التي تُوجَد فوقه.   
وفيما وراء التعارض بينأنصار "الحق الطبيعي" وأنصار "الحق الوضعي"، فإن هناكـ اتجاهانحو الجمع بين كل منهما كما يتجسد ذلكـ في إعلانات حقوق الإنسان (إعلان الثورةالأمريكية 1786، إعلان حقوق الإنسانوالمواطن بُعَيْد الثورة الفرنسية 1792،الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة 1948)، حيث تم تأكيد "الحقوق الطبيعية والمقدسة" التي يتساوى فيهاالناس بِغَضِّ النظر عن عرقهم أو جنسهم أو دينهم أو لغتهم أو مستواهم الاجتماعي.وهكذا، فـ"الحق الوضعي" لا يُلْغِي "الحق الطبيعي" وإنما يعملعلى تنظيمه وتقنينه على نحو يجعله مُمْكنا بالنسبة إلى كل إنسان.  
* تركيب واستنتاج
يقوم "الحقالطبيعي" على ما هو طبيعي في الإنسان، باعتباره أساسا مشتركا بين كل الناس،وذلكـ بمقتضى ما أودعته الطبيعة في ذات الإنسان من كرامة تجعل الإنسان بفطرتهكائنا حرا وفاعلا. لكن كون "الحق الطبيعي" يستـند إلى طبيعة الإنسان(كمعطى جوهري ومطلق يتجاوز كل تحديد اجتماعي أو تاريخي) يقود إلى النظر في"الحق الوضعي" كما يتجسد في الواقع الفعلي، حيث لا يتم تعيين الحقوق إلاانطلاقا منه، الأمر الذي يُؤكِّد أن "الحق" لا يتحدد معناه إلا من خلالشروط اجتماعية وتاريخية متعددة ومتغيرة حسب المجتمعات والعصور. لكن الكونية التيتوجد في "الحق الطبيعي" هي التي تُؤسِّسُ إمكان التمييز بين حق وآخر، ومنثم فهي تتحدد كمعيار كلي وعام للحكم على "الحق الوضعي".       
2- العدل كأساس للحق
 *تحديد الإطار الإشكالي: ما علاقة "الحق"بـ"العدل"؟ أيهما يؤسس الآخر؟ هل "العدل" كواقع قائم فيمؤسسات وقوانين هو أساس "الحق" كمَثَل أعلى أم أن "الحق" فيمعياريته وكليته هو الذي يُمثِّل أساس "العدل" في جزئيته ونسبيته؟


* مفاصل المعالجة
يرى أرسطو (384-322ق.م [Aristote]) أن "العدل" في تضاده مع "الظلم" يتميز بكونه "التصرففي حدود القانون على النحو الذي يؤدي إلى حفظ حقوق الغير"، مما يجعل "الظلم"يتحدد كسلوكـ يُنافي القانون والمساواة، حيث إن الظالم يتصرف ضد القوانين. ومنهنا، فإن كل الأفعال المُوافِقة للقانون تُعَدُّ أفعالا عادلة. فالقوانين تضبطالأفعال بهدف حماية المصلحة العامة ومصلحة أولياء الأمور طبق ما تُوجبه الفضيلة.وهكذا فـ«الفعل العادل هو الفعل القادر، كليا أو جزئيا، على إيجاد أو حماية سعادةالجماعة السياسية» ؛ الأمر الذي يجعل "العدل" فضيلة كاملة، بل أهمالفضائل قاطبة، من حيث إنه أساس ضمان "الحق"، إنه أروع من كل شيءآخر.         
ويذهب أَلَان (1868-1951[Alain]) إلى أن "الحق" (le droit) يتميز بالأساس عن "الأمر الواقع" (lefait)،فلا يكون "الحق" إلا على أساس الاعتراف من طرف سلطة حاكمة تُعلِن علىالملإ أنه كذلكـ، فلا يكفي قيام وضع أو واقع للقول بأنه حق (مثلا امتلاكـ ساعةواستعمالها أو السكن في منزل مدة طويلة)، بل لا بد من حَكَمٍ عُمومي يُقِرُّ ويُعلنذلكـ "الأمر القائم". لذا فإن "الحق" يتحدد وفق نسق منالأشكال والاتفاقات المتعلقة بالمُعامَلات بين الناس على أساس "العدل".
وفي نفس السياق، يؤكد فريدريكـهايكـ (1889-1992 [Friedrich Hayek])أن العدالة الاجتماعية أو التوزيعية لا يكون لها معنى إلا على أساس الشرعيةالقانونية، وليس معنى هذا أن كل قواعد السلوكـ العادل القائمة في المجتمعات تُعَدُّقواعد قانونية ولا أن كل قانون يستند بالضرورة إلى قواعد السلوكـ العادل، وإنما هوأن القانون المرتكز إلى قواعد العدالة يكون له مقام استثنائي، بحيث إنه هو وحدهالذي يُلْزِم المواطنين ويفرض نفسه على الجميع في مجتمع حر.
لكن المفكر الروماني شيشرون(163-43 ق.م [Cicéron])يرى أنه ليس من المعقول في شيء اعتبار العدالة متمثلة فيكل ما هو مُنَظَّم بواسطة المؤسسات والقوانين كما هو الأمر عند معظم الشعوب، لأن هذايقود إلى قبول القوانين والمؤسسات المرتبطة بالطغاة والغزاة. ولهذا فإن أساسالعدالة ليس شيئا آخر غير "الحق" الذي يقوم على "الطبيعة"والذي يُشَرِّع تبعا لمقتضيات "العقل" القويم، بحيث يمثل القانون أوالمعيار الوحيد الذي يُمَكِّن من التمييز بين الخير والشر، وبين العدل والظلم، فيحين أن جعل المصلحة أساس "العدل" يُؤدي إلى تَغَيُّر الامتثال للقوانينبتغير المصالح. وهكذا، فـ«ما لم يَقُم الحقُّ على الطبيعة، فإن كل الفضائلتتلاشى». 
3- العدل بين المساواة والإنصاف
* تحديد الإطار الإشكالي:كيف يتحدد "العدل" في الواقع؟ هل هو "مساواة" قائمة علىالتوزيع العام والمجرد أم أنه "إنصاف" يأخذ بما تقتضيه كل حالة فردية منمعاملة خاصة؟    
* مفاصل المعالجة
يذهب أفلاطون (327-447ق.م [Platon]) إلى أن "العدالة" تتحدد، أولا، كـ"اعتدال" أو انسجامبين قُوَى النفس (الناطقة، الشهوانية، الغضبية) يُؤدي إلى الفضائل الثلاث: الحكمة،العِفَّة، الشجاعة. غير أن هذه الفضائل لا يُمكن أن تتحقق إلا على أساس قيام فضيلةرابعة هي "العدالة" التي تتمثل في انصراف كل واحد إلى فعل ما عليهالقيام به وفق ما زودته الطبيعة به من قدرات. وتُعَدُّ هذه الفضيلة أعظم أسبابالكمال في "المدينة" أو "الدولة"، لأنها تجعل كل واحد (منالأطفال والنساء والعبيد والأحرار والصُّنَّاع والحاكمين والمحكومين) يؤدي عملهدون أن يتدخل في عمل الآخرين. فـ"العدالة"، إذًا، اعتدالٌ بين قُوَىالمجتمع يجعل الاعتدال بين قُوَى النفس ممكنا.
ونجد أن أرسطو يرى أن"العدل" (la justice) و"الإنصاف" (l’équité) متماثلان من جهة طبيعتهماالنوعية  دون أن تكون لهما نفس الصفات. وعلى الرغم من أنكُلًّا منهما مرغوب فيه، فإن "الإنصاف" مُفَضَّلٌ على"العدل"، لأنه ليس مجرد حكم وفق ما يقتضيه القانون كقاعدة عامة، بل هو تناولُكل حالة بما تستحق بما هي حالة خاصة لا يكفي فيها الاعتماد على ما هو عام. لذا،فإن «الطبيعة الخاصة بالإنصاف تتمثل في تصحيح القانون، في المدى الذي يبدو غيركافٍ، بسبب طابعه العام. فالقانون لا يشتمل على كل شيء ».
غير أن ماكس شيلر (1874-1928[Max scheller]) يرى أن اعتبار العدالة كمساواة كاملةبين الناس في كل شيء يجعلها جائرة، لأنها تُؤدِّي إلى خَفْض الأشخاص المحظوظين إلىمستوى المحرومين الذين يوجدون في أسفل السُّلَّم. لذا، يجب النظر إلى العدالةكإنصاف يراعي الاختلافات والفروق بين الناس من حيث إنهم يتفاوتون فيما بينهم علىأكثر من مستوى، مما يجعل المساواة المنشودة تُعبِّر في الواقع عن نوع من الحقد تجاهالقيم العليا.
وفي نفس السياق، يرى جونراولز (1921-2002 [John Rawls]) أن النظر إلى العدالة كإنصاف يقتضيتوزيع الامتيازات بطريقة تضمن التعاون الإرادي لكل أعضاء المجتمع، وذلكـ باعتمادمبدأين مختلفين، يفرض أولهما المساواة في الحقوق والواجبات الأساسية، في حين يفرضثانيهما عدم المساواة اجتماعيا واقتصاديا. ويمثل هذان المبدآن قاعدة مُنْصِفَة تُمَكِّنالمحظوظين من أن يضمنوا تعاون باقي الشركاء من المحرومين الذين يجدون، بمقتضى مبدإتكافؤ الفرص، أنه بإمكانهم الاستفادة من نفس الحقوق الأساسية وبلوغ نفس المراتب.وهكذا، فإن العدالة "مساواة" تُـقِرُّ نَفْسَ الحقوق والواجبات بالنسبةلكل المواطنين، وفي الآن نفسه هي "إنصاف" يأخذ بعين الاعتبار الأوضاعالخاصة بالمحظوظين والمحرومين معا من دون الإجحاف في حق أي منهم.    
* تركيب واستنتاج
تُعتبَر العدالة مساواةًبين الناس في الحقوق والواجبات. لكن إقرار العدالة كمبدإ لتوزيع الخيرات فيالمجتمع يحتاج إلى النظر في الأوضاع الخاصة بمختلف الفئات بموجب قاعدة "الإنصاف"التي تُمَكِّن المحرومين من الاستفادة من الخيرات ولا تضع عوائق أمام المحظوظينذوي الامتيازات، وذلكـ على النحو الذي يُؤدِّي إلى تعاون الجميع لبناء العدالةكنظام اجتماعي مُنْصفٍ يضمن مصلحة كل الأفراد والجماعات في إطار نظام ديموقراطيعادل.

المفهوم الثاني: العنف مجزوءة III: السياسة حصري على أحلى باك




مجزوءة III: السياسة

المفهوم الثاني: العنف
 
* تقديم مفهوم العنف
يُعَدُّ الإنسان كائنا فاعلا إلى جانب أمثاله منالفاعلين في عالم يتميز بوفرة الشروط المتحكمة في كل إمكانات الفعل وبتعدد المصادرالدافعة إليه، سواء من جهة الوجود الجماعي للإنسان الذي يُوجب التفاعل أو من جهةالوجود الطبيعي المتفاوت في موارده ومُعطياته بشكل يستدعي النزاع والصراع. ولهذافإن الفاعلية الإنسانية مُوَلِّدة ومُنتجة لـ"العنف" الذي يتغلغل فيالحياة الإنسانية بِكُلِّ جوانبها ومستوياتها والذي يتشكل حسب مختلف ظروف الحياةالإنسانية على نحو يجعله ظاهرة معقدة تُفْلِتُ من كل تحديد. وهكذا، فإنه بنفسالقدر الذي يُشَكِّل "العنف" أحد مظاهر الفعل الإنساني، فإنه يفرض نفسهكأحد التحديات الكبرى التي تُواجه وجود الإنسان في هذا العالم.
* الوضعية-المشكلة
مارس الإنسان "العنف" عبر التاريخ بأشكالمتنوعة وبأقدار مختلفة، بحيث يبدو "العنف" مُلازِما للوجود البشري. فهليُعَدُّ "العنف" أحد الثوابت التي تُميِّز الطبيعة الإنسانية؟ ما هيأشكاله الأساسية وما أهميتها؟ ما علاقة "العنف" بالتاريخ الإنساني؟ هلهو أحد العوامل المُساهِمة في صنع التاريخ وتحقيق التوازن الاجتماعي أم أنه ليسسوى ظاهرة على هامش الأحداث التاريخية؟ كيف نُفسِّر استمرار "العنف" رغمتطور "المجتمع المدني" وقيام "الدولة"؟ هل يُعَدُّ كل عنف،بالتحديد، فعلا غير مشروع أم أن هناكـ أنواعا من "العنف" تحظى بمشروعيةاجتماعية أو قانونية؟
1- أشكال العنف
* تحديد الإطار الإشكالي: ما هي طبيعة "العنف"؟وما هي أنواعه وأشكاله؟ هل "العنف" واحد أم متعدد؟ وهل هو مرتبط بطبيعةالإنسان أم أنه لا يرتبط بالإنسان إلا في المدى الذي يُعَدُّ كائنا محددا بشروطاجتماعية وتاريخية؟
* مفاصل المعالجة
يرى "إيـﭪ ميشو" (1942-؟ [YvesMichaud]) أنه « يكون هناكـ عنفٌ إذا قام، في وضع تفاعلي معين،واحد أو مجموعة من الفاعلين بالتصرف بشكل مباشر أو غير مباشر، مرة واحدة أو بتدرج،على نحو يُلحِق الضرر بواحد أو أكثر من الأشخاص الآخرين بدرجات متغيرة، سواء علىالمستوى المادي أو على المستوى المعنوي، وسواء أتعلق الأمر بالممتلكات المادية أمبالخيرات الرمزية والثقافية». وكونُ "العنف" يتحدد بهذه الصورة يجعلهيتخذ أشكالا متعددة وأحجاما مختلفة عبر المجتمعات والعصور. فالمجتمعات الإنسانيةعرفت ولا تزال قيام أنواع متعددة من "العنف" تتراوح بين ما هو أكثرفظاعة وضرواة (كما في القتل خلال الحرب أو الإعدام أو التعذيب) وما هو أشد خفاء(سوء التغذية). كما أن العنف في ارتباطه بالمجتمع الإنساني يخضع لا فقط لمستوياتالتطور الاجتماعي والاقتصادي وإنما يخضع أيضا لدرجات التقدم العلمي والتقنيوللوسائل والآليات المترتبة عنه. وهكذا، فالعنف يزداد اتساعا وتعقدا تبعا لمختلفالتطورات التي تشهدها المجتمعات الإنسانية. وتُعَدُّ الفترةُ المعاصرة إحدى أشدالفترات عنفا في التاريخ البشري، وذلكـ على كل المستويات التي صارت تتجاوز الواقعلتـشمل كذلكـ الصور الخيالية والافتراضية.  
ومن ثم فإن "العنف" يتحدد كظاهرة اجتماعيةوتاريخية مسيطرة على الحياة الإنسانية، الأمر الذي يجعل "الإنسان ذئباللإنسان" كما يقول "هوبز" وكما يؤكد ذلكـ "سيغموند فرويد"(1856-1939 [Sigmund Freud]) الذي يرى أن النزوع إلى العدوان طبيعيٌّ في النفس الإنسانيةوأنه يُشكِّلُ العامل الرئيسي في علاقات الناس بعضهم مع بعض، حيث إن الأهواءالغريزية أقوى من الاهتمامات العقلية في واقع الحياة البشرية. ومن هنا فإن الحضارةتبذل كل ما في وسعها للحد من العدوانية الإنسانية سواء بتطوير مناهج تَحُثُّ الناسعلى إقامة علاقات تقارب ومودة بينهم أو بتقييد الحياة الجنسية. غير أن التدخلالقانوني والأخلاقي للمجتمع بدلا من أن يُؤدي إلى تقليص العدوانية في المجتمع فإنهيعمل، بما هو عملية قمع للنزوع الطبيعي، على تكريسها وزيادتها بشكل يجعلها تتخذتجليات أكثر حذرا وأشد خفاء. 
لكن "إيريكـ فروم" (1900-1980 [ErichFromm]) يُلاحظ أنه إذا كانت دراسة بعضالظواهر الاجتماعية (الحياة الجنسية، الطقوس) قد تُوحِي بأن النزعة التدميريةمتجذرةٌ في طبيعة الإنسان، فإن التحليل المتعمق لهذه الظواهر يكشف عن أن العدوانوالتدمير ليس مَيْلًا فطريا، وإنما هو حصيلةُ دوافع ونزوعات وثيقة الصلة بشروطموضوعية تتمثل في الحروب والنزاعات والتفاوتات الاقتصادية وضغوط الحياة الاجتماعيةوإكراهاتها، فـ« ليست الطبيعة البشرية نفسها هي التي تدفع فجأة إلى القيام بتلكـالممارسات، بل هناكـ طاقة تدميرية كامنة تُغَذِّيها الظروفُ الخارجية والأحداث المُفاجِئةفتدفعها إلى الظهور».
ومن جهة أخرى، يذهب "ﭙـيير بورديو" (1930-2002[Pierre Bourdieu]) إلى أن أنماط السيطرة الاجتماعية والثقافية من حيث إنها قائمةعلى أُسُسٍ تُعتبر، من الناحية الاجتماعية، اعتباطيةً (arbitraire)، فإنها ترتبط بممارسة نوع منالعنف "الرفيق" أو "اللطيف" (uneviolence douce) هو"العنف الرمزي" (la violence symbolique) الذي هو كل عنف يتلقاه الفاعلالاجتماعي بالقبول أو التجاهل كما لو كان طبيعيا أو بديهيا بفعل نَوْعٍ من التواطؤالوجودي الذي يجعل البنيات الذهنية/الذاتية تتوافق مع البنيات المادية/الموضوعيةللعالَم الاجتماعي. فكونُنَا نُولَدُ ونُنَشَّأُ في مجالٍ اجتماعيٍّ أمرٌ يجعلُنانتقبل عددًا من الأشياء التي تفرض نفسها علينا بتلقائية وسهولة من دون أن تحتاجإلى عمل إضافي للترسيخ، مما يُشكِّلُ أساسَ السيطرةِ التي يخضع لها الفاعلونالاجتماعيون، ليس كما لو كانت حتمياتٍ تنزل من أعلى بِثِقَلها الإكراهي المُحدِّدلإراداتهم، وإنما كنسق من التفاعلات والتوازنات بين المُحدِّدات الحتمية الموضوعيةوكيفيات إدراكها بواسطة البنيات الذاتية، مما يجعل الفاعلين يُسْهِمُون في إنتاجما يُمارَسُ عليهم من آثار السيطرة ضمن مجالهم الخاص. ومن هنا فإن العنف الرمزييرتبط بالنظام العادي للأشياء في الواقع الاجتماعي، الأمر الذي يجعله أشدَّ أنواعالإقناع السِّرِّي التي تُمارَس على الفاعلين الاجتماعيين بتواطؤٍ منهم بفعلانغماسهم الطبيعي في المجتمع.        
* تركيب واستنتاج
يتعلق "العنف" بفاعلية الإنسان في ارتباطهابشروط الواقع الاجتماعي القائم على التفاوت والصراع، مما يجعل "العنف" مُلازِماللوجود الإنساني في خضوعه لعددٍ من الإكراهات الضرورية التي تتحكم في إمكاناتالقوة لدى الناس كأعضاء في مجتمع والتي تُوَجِّهُها، من ثم، في سياق تفاعليوتنازعي على نحو يؤدي إلى بُروز أشكال من "العنف" تتخلل التاريخوالاجتماع الإنسانيين.
2- العنف في التاريخ
* تحديد الإطار الإشكالي: كيف يتجلىالعنف عبر التاريخ الإنساني؟ هل هو أحد أسباب الصيرورة التاريخية أم أنه ليس سوىإفراز محدود على هامش حركة التاريخ الإنساني؟
* مفاصل المعالجة
يعتبر "توماس هوبز" أن الطبيعة الإنسانية تقومعلى ثلاثة انفعالات تمثل الأسبابَ الحقيقية لكل نزاع في الحياة والتاريخالإنسانيين: يتعلق الأمر بـ"التنافس"، "الحذر" و"الكبرياء"؛ فـ"التنافس" يجعل الناس يتخذون الهجوم طريقا لبلوغ مصالحهم،و"الحذر" هو الوسيلة لضمان أمنهم، في حين أن "الكبرياء" تؤديإلى حفظ السمعة. وكل هذه الانفعالات ترتبط باللجوء إلى العنف إما للسيطرة علىممتلكات الآخرين وإما للدفاع عن النفس والممتلكات. ومن حيث إن هناكـ دائما احتمالَالتعرض للهجوم والعنف من طرف الآخر، فإن الناس يعيشون دائما (حتى في حالة السلموالأمن) أجواء الحرب من خلال الاستعداد لها وتوقعها باستمرار. وهكذا نُدرِكـ أهميةالحرب في التاريخ الإنساني من جهة ارتباطها بالطبيعة البشرية في قيامها على النزاعوالقوة. 
وتقوم الفلسفة الماركسية (مع ماركس وإنغلز) على أنالصراع يُشكِّل المُحرِّكـ الأساسي في التاريخ الإنساني، ذلكـ بأن الوجودالاجتماعي قائم على التفاوت بين الذين يملكون وسائل الإنتاج والذين لا يملكون سوىقوة عملهم، وهو التفاوت الذي يؤدي إلى انقسام المجتمع إلى طبقات متضادة ومتصارعة،حيث إن تاريخ الإنتاج يتجلى كسلسلة من التناقضات المادية والاجتماعية التي ترتبطبصراعات طبقية (بين الأحرار والعبيد في الطور العبودي، بين السادة والأقنان فيالطور الإقطاعي، بين مالكي وسائل الإنتاج والعمال الكادحين في الطور الرأسمالي)تقوم بين المسيطرين والمضطهدين على شكل حروب تنتهي إما إلى تغيير جذري للمجتمعوإما إلى تحطيم الطبقتين كلتيهما. ومن هنا فإن الجدل التاريخي يلعب فيه الصراعدورا رئيسيا، حيث إن الانتقال من طور إلى آخر لا يتأتى إلا باحتدام الصراع بينالطبقات المتصارعة على نحو يُمَكِّن من إحداث التغيير الضروري في البنياتالاقتصادية والاجتماعية.    
ويذهب "روني جيرار" (1923-؟ [RenéGérard]) إلى أن المجتمعات الإنسانيةقائمة على الصراع الذي يرتبط بعوامل التنافس التي تجد أصلها في الرغبات المتفاوتةفي تعلقها بنفس الأشياء التي هي موضوع للطلب من طرف الآخرين. ويتميز العنف فيالحياة الإنسانية بأنه يستند إلى آلية المُحاكاة التي تجعله عُنْفًا مُعْدِيًاقابلا للانتشار بشكل تلقائي، مما يُؤَدِّي إلى وجود أعمالِ عُنْفٍ يُمكن أن تتسلسلبلا نهاية على نحوٍ يُهَدِّدُ استمرار وبقاء النوع الإنساني. من هنا تأتي الطقوسالمتعلقة بـ"التضحية" (le sacrifice) كآلية لإيقاف دورة الانتقام في دُوَّامة العنف، حيث يتم نقلالعداء إلى ضحية واحدةٍ (كبش الفداء) تحمل كل الرغبات المتناقضة والمتنافسة لأعضاءالمجتمع. وهكذا يتم توجيه العنف إلى الضحية كتعويض عن العنف الذي يمكن أن يُوَجَّهإلى الآخرين، بحيث يتأتى التأسيس الاجتماعي للعنف المقدس كما عرفته كل المجتمعاتالإنسانية من خلال طقوس التضحية بـ"كبش الفداء".   
* تركيب واستنتاج
يحضر "العنف" في التاريخ الإنساني بأشكالمختلفة وبشكل قوي وبارز، مما يقود إلى اعتباره أحد المظاهر المُمَثِّلة للصيرورةالتاريخية على مُختلف مستوياتها. وإذا كانت المجتمعات الإنسانية شهدت ولا تزالمختلف أنواع الصراع العنيف، فإن تجليات "العنف" في التاريخ البشريمتعددة ومعقدة على نحو يجعلها موضوعا لتأويلات مختلفة تربطها بآليات التطورالتاريخي أو بآليات التفاعل الاجتماعي في علاقته باستعدادات الطبيعة البشريةوتحولات الوسط الطبيعي والثقافي حيث تتم فاعلية الإنسان.

3-العنف والمشروعية
* تحديد الإطار الإشكالي: ما علاقة "العنف"بكل من "الحق" و"القانون"؟ هل كل عنف يُعَدُّ، بالتحديد، غيرمشروع من الناحية الأخلاقية والقانونية أم أن هناكـ بعض أنواع "العنف"المقبولة والمشروعة اجتماعيا وقانونيا؟
* مفاصل المعالجة
إن قيام "المجتمع المدني" يستوجب تفويض أمراستعمال العنف للسلطة المشروعة كما تمثلها "الدولة". ولهذا يؤكد ماكسﭭـيبر أن "الدولة" لا يُمكنها أن تُوجَد إلا إذا خضع الناس للسلطة المشروعةكما تتجسد في التجمع السياسي الذي تُمثِّلُه والذي يجعلها تحتكر استعمال العنفالمشروع بمقتضى أنها مجموعةٌ من المؤسسات التي تقوم على "الشرعيةالقانونية" والتي تُوجِّهُها غاياتٌ تتمثل في ضمان "المصلحةالعامة" لمجموع أعضاء المجتمع. وبالتالي فإن "العنف" في إطارالمجتمعات الحديثة لا يكون مشروعا إلا انطلاقا من "الدولة" كمؤسسةسياسية وقانونية تضمن قيام المجتمع المدني والسياسي كتجمع يعمل على تنظيم أعضائهعلى نحو يجعلهم يقتنعون بأن من مصلحتهم نبذ العنف، حيث إن تَمَتُّعَهُم بكل حقوقهميقتضي بالأساس انخراطهم السِّلْمِي والمدني في إطار النمط الحديث لممارسة السلطةأو السيطرة الذي يقوم على "الشرعية القانونية" التي تضمن هي وحدهاالمساواة في الحقوق والواجبات بين كل المواطنين والتي تسمح بالتداول السلمي للسلطةوفق مجموعة من القواعد والإجراءات كما يتمثل ذلكـ في نموذج التنظيم الديموقراطيللمجتمع السياسي.    

وثمة من يذهب إلى حَدِّ اعتبار العنف غير مشروع بتاتا،سواء أتى من "الدولة" أو من "المجتمع المدني"، لأنه يقوم علىاستعمال القوة الذي لا يمكن تسويغه من الناحية الأخلاقية. فالإنسان، في نظر غاندي،"روحٌ" تسمو على "المادة" من حيث إنه كائن أخلاقي يسعى إلىالفضيلة ويتجنب الرذيلة. وتتمثل الفضيلة في الوقوف ضد الشر ليس بمواجهته عن طريقمقاومته بالقوة المادية وإنما بمقاومته بواسطة قوة روحية تتمثل في فعل ما هو خيرمن خلال تبني إرادة طيبة تجاه كل كائن حي بمحبته ومصادقته. فـ"اللَّاعُنف"يتحدد كغياب تام لكل إرادة سيئة تجاه الأحياء بدافع الحقد أو الكراهية، ومن ثم فهوليس نزوعا سلبيا أو استسلاميا، بل إنه سعي نحو المناهضة الأخلاقية للشر بكل مظاهرهمن دون إلحاق الأذى بواحد من الأحياء. ومن هنا فإن القوة الحقيقية تتمثل فيالتعامل الإيجابي مع الآخر من الأحياء وتجنب إيذائه أو إيلامه.     
* تركيب واستنتاج
يبدو أن ممارسة "العنف" في إطار المجتمعاتالحديثة أصبحت موكولة إلى "الدولة" التي صار من حقها هي وحدها أن تضطلعبمهام حفظ الأمن والسلم وحماية الحقوق بكل الوسائل الممكنة في إطار ما تسمح بهالشرعية القانونية. لكن تركيز "العنف" بين يدي "الدولة" لايعني، في الغالب، اجتثاثه من كل زوايا المجتمع المدني، حيث إنه يستمر بأشكالونِسَبٍ تكثر أو تقل حسب المجتمعات، وذلكـ إلى الحد الذي يؤدي إلى التشكيكـ فيجدوى مواجهة "العنف العشوائي" للخارجين على الشرعية بـ"العنف المشروع"لمؤسسة الدولة. فبدلا من تقليص "العنف" في المجتمعات بواسطة التنظيمالسياسي والقانوني، شهدنا على امتداد القرن العشرين حروبا عالمية وإقليمية طاحنةومدمرة، بل حتى على مستوى المجتمعات المتقدمة يُلاحَظ ازدياد مظاهر "العنف"على كل المستويات. وإذا كانت حركات اللاعنف والسلام تتوسع عبر بلدان العالم كنوعمن الحركات المضادة، فإن التجذر التاريخي والاجتماعي للعنف يجعل مثل هذه الحركاتضربا من الطوبى التي تُؤْمِن بأن "نسيم الحب يُمكن أن يطعن السيف بِوَرْدَةٍ"كما يقول الشاعر. لكن العنف المتجذر تاريخيا وثقافيا في كل المجتمعات يحتاج لا فقطإلى مقاومةٍ ماديةٍ ومعنوية، بل إلى تأسيس واقعي لآليات تصريف العنف سواء كانماديا أو رمزيا ومن دون الوقوع في وهم أن "العنف" يكفي لاستئصاله تأكيدعدم مشروعيته القانونية أو الأخلاقية، إذ لا عنف أشد من تَوَهُّم أن العنفيُعَدُّ، بالتحديد، غير إنساني وأنه لا يمكن أن يكون ثمة عنف أخلاقي علىالإطلاق.                    

درس الدولة مجزوءة III: السياسة حصري على أحلى باك




مجزوءة III: السياسة
                                            1-الدولة
 
تقديم المجزوءة الثالثة
يتحدد الإنسان بصفته كائنا فاعلا يعمل على الاستجابةلحاجاته الحيوية ضمن الشروط الطبيعية والاجتماعية المُحدِّدة لوجوده، حيث إنه يجدنفسه - في خلال سعيه لتحقيق حاجاته- متفاعلا، ليس فقط مع الظروف الطبيعية لوسطه،وإنما أيضا مع أعضاء المجتمع حيث يعيش، مما يجعله بالضرورة "كائنااجتماعيا". وتتعلق الشروط الطبيعية أساسا بمجموع شروط الوسط البيئي حيثيُقَدَّر للإنسان أن يعيش، وهي شروط يطبعها التغير والندرة، مما يضطر الإنسان إلىالاجتهاد على نحو تنازعي وتنافسي لتحصيل حاجاته. ومن هنا تتكون الشروط الاجتماعيةالتي تجعل وجود الإنسان وجودا جماعيا وتفاعليا. وكون الوجود الإنساني مُحاطابأسباب طبيعية واجتماعية تقود إلى النزاع والصراع هو الذي يؤدي إلى التفكير فيموضوع "السياسة" بما هو موضوع يرتبط بتدبير الفعل الجماعي القائم أصلاعلى النزاع بغية تفادي تدمير الحياة (أي العنف) بإقامة شروط مدنية للعيش تجعلللناس مصلحة في السلوكـ وفق ما يقتضيه التنظيم السياسي للمجتمع (أي الدولة) القائمعلى مبدإ "الشرعية" (أي الحق) الذي يضمن المساواة والإنصاف بين كلأعضائه (أي العدل).     
المفهوم الأول: الدولة
* تقديم مفهوم الدولة
تمثل "الدولة" (Thestate, L’Etat) هيئة علياتفرض سيادتها، من خلال ممارسة السلطة، على مجتمع إنساني بشكل يُمكِّنها من ضمانوحدته واستمراره إزاء الأخطار المُهدِّدة داخليا (التمزق والصراع المفتوح) وخارجيا(الحرب والحصار)، ويُمكِّنها كذلكـ من تمثيله بالخارج سواء على المستوى الإقليميأو على المستوى العالمي. وتتحدد "الدولة"، في الواقع، باعتبارها مجالالتكوُّن واشتغال مجموعة من "المؤسسات السياسية" التي تقوم بـ"تمثيل"إرادة الشعب أو الأمة (الرئيس أو الملكـ، الحكومة، مجالس التمثيل النيابي) وبـ"إدارة"شؤون المواطنين والبلاد (وزارات، وِلَايات، عمالَات، هيئات، مرافق). وهكذا، فإن"الدولة" تُعَدُّ تنظيما قانونيا ومُؤَسَّسِيا وسياسيا لكل ما يتعلقبـ"الشأن العام" الخاص بشعب أو أمة على امتداد حدود ترابية معينة. إنهاتُجسِّد "الإرادة العامة" لأعضاء المجتمع بما هي إرادة تَدُلُّ وتسمو فيآن واحد على "الإرادات الفردية" لهؤلاء الأعضاء الذين هم "مواطنون"(أحرار ومُتساوُون) في حماية ورعاية "الدولة" بما لها من موارد وصلاحياتتُمَكِّنُها من التدخل والفعل على النحو الذي يُحقِّق "المصلحة العامة"بالنسبة لكل المواطنين الذين يلتزمون بالمساهمة في التكاليف الضرورية لقيام واستمرار"الدولة" وأيضا باحترام صلاحياتها واختصاصاتها أملًا منهم في ضمانحقوقهم على أحسن وجه ممكن. وهكذا فإن "الدولة" قدرة على الإلزام المشروعوعلى حماية حقوق المواطنين في الأمن والحرية والعدل. وبهذا، فهي تُمثِّل أحد أهمالمكتسبات العقلانية الذي أدى إليها التراكم الاجتماعي والثقافي عبر آلاف السنينمن التطور التاريخي للإنسانية في هذا العالم.       
* الوضعية-المشكلة
يجعلنا تناول موضوع "الدولة" نطرح جملة منالأسئلة الإشكالية: هل تُعَدُّ "الدولة" خاصية طبيعية للمجتمع الإنسانيأم أنها بناء تاريخي وثقافي؟ ما الذي يُعطيها الحق في الوجود والفعل؟ على ماذاتقوم مشروعيتها؟ هل على أسباب تاريخية أم على وظائف وغايات مُحدَّدة يُفوَّض إليهاأمرُ تحقيقها والقيام بها؟ ما طبيعة السلطة السياسية؟ هل هي امتياز شخصي وخاص أمهي آليات مُؤسَّسِية لتوزيع الموارد ذات القيمة في مجال اجتماعي وتاريخي معين؟ ماعلاقة "الدولة" بـ"العنف" و"الحق"؟ هل تُمارِسسلطتها على أساس "القوة" و"العنف" أم على أساس"الحق" و"القانون"؟ 
1- مشروعية الدولة وغاياتها
* تحديد الإطار الإشكالي: منأين تستمد "الدولة" مشروعيتها؟ هل من قدرتها على ضمان "الأمن"و"الحقوق" أم من كونها قوة إلزامية وقمعية؟ ما هي الغايات التي وُجدت"الدولة" من أجل تحقيقها؟
* مفاصل المعالجة:
تبدو "الدولة" أمرا بديهيا من حيث إنها السلطةالتي تجعل الوجود الجماعي للإنسان ممكنا. لكن "الدولة" ليست واقعامُلازِما للوجود الجماعي للإنسان. إنها نتاج حديث إلى حدٍّ بعيد، نتاج يمثل مآلآلاف السنين من التطور التاريخي والاجتماعي للبشرية. ونجد أن فلاسفة "العقدالاجتماعي" (توماس هوبز، باروخ إسـﭙينوزا، جون لوكـ، جون-جاكـ روسو) عملوابين القرنين 17 و18 على تأسيس مشروعية "الدولة" انطلاقا من فرضية"حالة الطبيعة" (l’état de nature). إذ أنهم افترضوا أن تصورالإنسان خارج المجتمع يُعطيه "حقا طبيعيا" يجعله يتصرف بحرية كاملة حسبما تُمليه عليه رغباته وفي حدود ما تسمح به قدرته على الفعل. وهذا يؤدي إلى ربطالحق بالقوة، أي أن الحق يكون للأقوى. ومن هنا فإن "حالة الطبيعة" تؤولبالضرورة إلى تهديد حقيقي للوجود الإنساني، مما يُوجب التفكير في الخروج منهابالتخلص من "الحق الطبيعي" (إن كلًّا أو جزءا) بتفويضه لـ"حاكمأسمى" تصير له "السلطة" التي يجب أن يخضع لها الجميع خوفا منالعقاب أو طمعا في مكاسب أعظم ليس أقلها حفظ الحياة والاستمرار في الوجود. وهكذا،فإن تصور "حالة الطبيعة" يُمَكِّن من جعل قيام "الدولة" يستندإلى "عقد اجتماعي" (un contrat social) يتم بين الناس حيث يفوضون بموجبهحقهم الطبيعي من أجل تشييد المجتمع الذي تكون فيه السلطة متعالية على إراداتالأفراد وموجهة بالأساس إلى حفظ الأمن والسلم اللذين لا تستمر الحياة بدونهماواللذين يجعلان "الحرية" (بما هي جوهر "الحق الطبيعي") متحققةبشكل موضوعي.       
غير أن "فريدريكـ هيـﮕل" (1778-1831 [FriedrichHegel]) يرى أن مشروعية"الدولة" لا تقوم على حفظ السلم والأمن بممارسة السيادة كسلطة زجريةوقوة رادعة، ولا على ضمان مصالح الأفراد، إذ في هذا خلط بين "الدولة"(كمجال عمومي) و"المجتمع المدني" (كمجال خاص). إن مهمة"الدولة" لا تتمثل في حماية حقوق الأفراد (الحرية والتملكـ)، وإنما هيالمجال الذي يسمح بالتحقق الموضوعي للأفراد كذوات أخلاقية وأشخاص أحرار، فالفرد فيحد ذاته ليس له من "الموضوعية" و"الأخلاقية" إلا بقدر ما يكونعضوا في "الدولة"، حيث إن اجتماع الأفراد يُعَدُّ الهدف الحقيقي لوجودهموهو بمثابة تعاقد يُعبِّر عن إرادتهم المشتركة.      
ومن جهة أخرى، يذهب "ماكس ﭭـيبر" (1867-1920 [MaxWeber]) إلى أن البحث في أنماط السيطرةأو السلطة في المجتمعات الإنسانية يكشف عن وجود ثلاثة أشكال من المشروعية:"مشروعية تقليدية" تقوم على التقاليد والأعراف كجملة من الطرق والأساليبالتي ثبتت صلاحيتها وترسخ احترامها في الوعي الجماعي على نحو يجعلها تُسَوِّغُقيام سلطة الأب الكبير أو الشيخ ؛ "مشروعية لَدُنِيَّة" أو"كارزمية" (légitimité charismatique) تعتمد على المؤهلات الخاصة بشخص الحاكم كما تتجلى تاريخيا فيشخصية النبي أو البطل أو الزعيم بما لها من جاذبية وقدرات خارقة ؛ ثم"مشروعية عقلانية" تقوم على الشرعية القانونية التي تُحَدِّدُمهام واختصاصات الموظف في المجتمعات الحديثة بصفته خادما للدولة في إطار ما يسمحبه القانون. لكن الأمر هنا يتعلق، كما يؤكد ﭭـيبر، بنماذج مثالية لا توجد فيالواقع بشكلها الخالص إلا نادرا جدا، مما يدل على أن تلكـ الأشكال يمكن أن تتداخلوتتراكب، الأمر الذي يجعل مشروعية السلطة أو السيطرة واقعا معقدا يخضع لجملة منالعوامل الاجتماعية والثقافية التي تشتغل على نحو متكامل ودينامي في كل مجال يعرفقيام أحد أنماط السلطة أو السيطرة.   
* تركيب واستنتاج
تُعتبَر "الدولة" مجالا لقيام نوع من التدبيرالسياسي والقانوني للشؤون العامة بمجتمع معين. ومن هذه الناحية فإن مشروعيتهاتستند إلى جملة من العوامل التاريخية والاجتماعية التي تتسم بالتعدد والتنوع. لكنمشروعية "الدولة" تبقى قائمة على التعاقد الاجتماعي بين الأفراد كأعضاءفي المجتمع، وهو التعاقد الذي يُؤسِّس "المجتمع المدني" ويُمثِّل الأساسالعقلاني لقيام "الدولة" من حيث هي الإطار الواقعي والموضوعي الذييُمكِّن من تحقق أخلاقية الإنسان ككائن اجتماعي وسياسي. 
2- طبيعة السلطة السياسية
* تحديد الإطار الإشكالي:ما هي طبيعة السلطة السياسية؟ هل تنحصر في "الدولة" كمجموعة منالأجهزة التي تُمارِس الإكراه والقمع أم أنها جملةٌ من الإمكانات والقُوَى التيتتخلل المجتمع بكامله؟ وهل هي متعاليةٌ على المجال الذي تُمارَس فيه أم أنهامُلَازِمةٌ ومُباطِنة لسيرورة التفاعل الاجتماعي بمختلف مظاهره وأنواعه؟
* مفاصل المعالجة
يرى "مونتسكيو" (1689-1755 [Montesquieu]) أن كل دولة توجد فيها ثلاثةأنواع من السلطة: "سلطة تشريعية" تضع القوانين أو تُصحِّحُها،"سلطة قضائية" تفصل بموجب هذه القوانين في النزاعات القائمة،و"سلطة تنفيذية" تعمل على تطبيق الأحكام وحفظ الأمن والسلم ومعاقبةالجُنَاة والمجرمين. واجتماع هذه السلطات الثلاث في يد شخص محدد أو هيئة واحدةيؤدي إلى ضياع كل الحقوق، وبالخصوص الحرية. لهذا فإن "الدولة الحديثة"لا قيام لها من دون الفصل بين هذه السلطات على نحو يُمَكِّن من تفادي الحكمالاعتباطي على حياة وحقوق المواطنين، ومن ثم ضمان توزيع السلطة على نحو متوازن بينهيئات الدولة.
ويذهب جون لوكـ إلى أن البشر يُعَدُّون بطبيعتهم أحراراومتساوين على النحو الذي يجعل من المستحيل تحويل أي إنسان عن هذا الوضع وإكراههعلى الخضوع لسلطة إنسان آخر من دون موافقته. لذا فإنه لا بد من حصول الاتفاق بينأفراد المجتمع لقيام هيئة تكون لها صلاحية التصرف بمقتضى قرار الأكثرية. وخضوعالفرد لهذا القرار ليس خضوعا لشخص بعينه وإنما هو خضوع لقرار المجموع، خضوع يؤديإليه الالتزام الموجود في أصل العقد الاجتماعي الذي يهدف بالأساس إلى حماية حقوقالأشخاص الذين يستمرون بموجبه أحرارا ومتساوين حيث إنهم لم يُفَوِّضُوا سوى حقهمفي الدفاع عن النفس الذي تتكفل به "الدولة" كما تتكفل بحماية حريتهم وكلحقوقهم في التفكير والفعل والتملكـ والتنقل.
وعلى هذا الأساس، فإن السلطة تتمثل في"الدولة" كعدد من الأجهزة التي تتجاوز الإرادات الفردية والتي تعمل وفقالمصلحة العامة لأعضاء المجتمع. وبهذا الصدد يرى "لويس ألتوسير"(1918-1990 [Louis Althusser]) أن "الدولة" تتحدد كمجموعة من الأجهزة التي تشتغلوتتصرف على نحو يجعلها تُمارِس السلطة في المجتمع إما كأجهزة للقمع والإكراه(الجيش، الشرطة، السجون) وإما كأجهزة لتسخير فئات المجتمع بواسطة إنتاج ونشر أفكارورُؤًى تضمن خضوع الناس (مجموعة من "الأجهزة الإيديولوجية": كنائس،أُسَر، مدارس، وسائل الإعلام، أحزاب، نقابات، إلخ.).
لكن "مشيل فوكو" (1926-1984 [MichelFoucault]) يذهب إلى أن اعتبار السلطةمجموعة من المؤسسات والأجهزة (التي تُمَكِّن من إخضاع المواطنين داخل"الدولة" أو كنظام للهيمنة يُمارِسه شخص على آخر) لا يجعلنا نُمسكـبحقيقة السلطة. فهذه الأشكال من الفعل ليست سوى ما تنتهي إليه ممارسة السلطة، فيحين أن الواقع يتمثل في علاقات القُوَى المتعددة التي تكون مُلَازِمة لمجالٍ مابفعل المواجهات والصراعات التي تشمل المجتمع بكامله. ومن هنا، فإن السلطة حاضرةٌفي كل مكان من الجسم الاجتماعي دون أن تتعين في مكان بعينه. إنها لا تأتي لا منفوق ولا من تحت، بل تأتي من كل الجهات، حيث إنها سلسلة من الخُطَط أوالاستراتيجيات المتناهية الصِّغَر التي تتخلل مجتمعا برمته. وهكذافـ"السلطة" ليست سوى اسم يُشير إلى واقع اجتماعي شديد التنوع والتعقد،واقع يتجلى من خلال مجموع الأوضاع المتفاوتة التي يدخل فيها الفاعلون باستمرارأثناء مختلف تفاعلاتهم.        
* تركيب واستنتاج
تقوم "الدولة" كسلطة سياسية لها القدرة علىالفعل والتصرف بشكل يتجاوز الإرادات الفردية لأعضاء مجتمع معين، وذلكـ من خلالمجموع الأجهزة والمؤسسات التي تُجَسِّد، في الواقع الفعلي، "سلطةالدولة". لكن حتى في هذا التجسيد تبدو "السلطة" متعددة ومُوزَّعةعبر "هيئات الدولة"، مما يؤكد أنها تتعلق بالواقع الاجتماعي كنسق منالإمكانات التفاعلية والدينامية التي تُعَبِّر عن الفاعلية الإنسانية بما هيفاعلية سياسية قائمة على النزاع والتنافس في إطار مجتمع مدني يَكْفُل قيام عدد منالمجالات التي تكون مسرحا لنشوء وتطور أشكال متنوعة من الإلزام والهيمنة عبر الجسمالاجتماعي كله.  

3- الدولة بين الحق والعنف
* تحديد الإطار الإشكالي: على أي أساستُمارِس الدولةُ سياستَها؟ هل بواسطة "القوة" كما تتجلى في أجهزة القمعوالردع أم بواسطة "الحق" كمجموعة من القوانين التي تُعطي لفعل الدولةشرعيته؟
* مفاصل المعالجة
تبدو "الدولة"، بما هي سلطة قائمة على الإكراهوالإلزام، كما لو كانت قوة خالصة تُمارس العنف والقمع. لكن "الدولة"مجال لممارسة التنظيم السياسي للمجتمع على نحو يسمح بتدبير مدني وعقلاني لشؤونهالعامة، مما يجعلها قائمة في الوقت نفسه على "الشرعية القانونية" التيتُمَثِّل الإرادة العامة للشعب أو الأمة التي هي المصدر الحقيقي للسيادة والسلطةالمُخَوَّلة للدولة. لذا فإن "الدولة" تتجسد، فعليا، في"القانون" كواقع مؤسسي وإداري للتنظيم السياسي لـ"المجتمعالمدني".
وبهذا الخصوص، يرى "نيقولا مكياﭭـيل"(1469-1527 [Nicolas Machiavel]) أن ممارسة الصراع السياسي من طرف الأمير أو الحاكم تعتمدطريقتين، إحداهما تقوم على القوة في طبيعتها الحيوانية وثانيهما تستند إلى القانونكمجموعة من القواعد والقيم الضابطة لسلوكـ الإنسان. وطبيعة الاجتماع البشري (كمجالللنزاع والتنافس) تفرض استعمال الوسيلتين معا (القوة والقانون). فالحاكم مُضْطَرٌّلأن يكون في آن واحد أسدًا يُخيف الذئاب وثعلبا يتفادى مكامن الشِّرَاكـ، بل إنهفي الواقع ليس في حاجة إلى أن يمتلكـ كل هذه الصفات، وإنما يحتاج فقط إلى أن يُجيدالتظاهر بها حسب الظروف والمناسبات، وأن يكون مُستعدا دائما للتخلي عن القواعدالقانونية والأخلاقية والعمل بضدها عند الاقتضاء، مما يعني أن السياسة مجالٌ يفرضاستعمال كل الوسائل التي تُمَكِّن من امتلاكـ وممارسة السلطة.
ومن ناحية أخرى، يذهب ماكس ﭭـيبر إلى أن"الدولة" (كتجمع سياسي حديث) لا تتحدد بما تقوم به من مهام، لأن هذهالمهام كانت على الأقل في جزء منها موضوعا لفعل التجمعات السياسية في الماضي،وإنما تتحدد اجتماعيا بالوسيلة الخاصة المُمَيِّزة لها، وهي وسيلة تتمثل في احتكاراستعمال العنف المادي المشروع، أي أن "الدولة" تَجَمُّعٌ سياسيٌّ يتميزباحتكار الاستعمال الشرعي لكل أنواع العنف المادي في حدود مجال جغرافي معين. ولهذافإن قيام "الدولة" يمنع الأفراد وكذا كل التجمعات الأخرى من اللجوء إلىأي شكل من أشكال العنف المادي. وبالتالي فإن "الدولة" تُعَدُّ، في إطارالمجتمعات الحديثة، المصدر الوحيد لـ"الحق" في استعمال العنف، إذ لايَحِقُّ لأحد أن يُمارس العنف إلا بإذن من "الدولة" التي تحتكر، علىمستوى المجتمع، الحق في استعمال القوة. فـ"الدولة" إذن تتحدد في آن واحدكـ"قوة" و"حق".
ومن ثم، فإن "الدولة" صارت تعتبر "دولةحق" (Etat de droit). وفي هذا السياق، ترى "جاكلين رُوس" (JacquelineRuss) أن "دولة الحق" تؤديإلى ممارسة عقلانية للسلطة من حيث إنها تقوم على "القانون"، فهي سلطةتتميز بالاستناد إلى "القانون الوضعي" الذي ينبني على احترام"كرامة الإنسان" (حقوق الإنسان) وعلى "الفصل بين السلطات".وبهذا فإن "دولة الحق" تُمثِّل الشكل المتقدم والعقلاني من تنظيمالمجتمعات الحديثة، وهو الشكل الذي يجعل أفراد المجتمع ذوي كرامة واجبة الاحتراموحقوق مضمونة بالنسبة إلى جميع أعضاء المجتمع كمواطنين أحرار ومتساوين.               
* تركيب واستنتاج
تتجلى "الدولة" في ظل المجتمعات الحديثة كمجاللتأسيس الفعل السياسي وفق الشرعية القانونية، بحيث إنه في إطارها يصير ممكنا تنظيمالمجتمع المدني على نحو يسمح بتدبير السلطة في أفق بلورة أشكال عقلانية من التجمعالسياسي قائمة على التوازن والمساواة والعدل بشكل يضمن تجاوز العنف العشوائي وقيامآليات لتدبير أنواع الاختلاف بين مُكوِّنات المجتمع وتسهيل الاندماج والتضامنبينها لحفظ وحدة المجتمع واستمراره وازدهاره. لكن تَعقُّد أشكال التطور الاجتماعيوثِقَل التراكمات التاريخية، فضلا عن الصعوبات المتعلقة بتحولات المحيط الطبيعي،كلها تحديات تُواجِه هذا النموذج من التنظيم العقلاني للمجتمع السياسي الذي تُمثِّلُه"الدولة". ومن هنا، فإن ثمة عدة إشكالات تستمر قائمة حول مفهوم"الدولة"، خصوصا حول إمكانات الإدماج والاستيعاب لمختلف مظاهر التفاوتوالتمايز في عالم تتسارع فيه وتيرة التغيرات وتزداد وسائل التقريب والتقارب، وذلكـفي نفس الوقت الذي تشتدُّ أشكال وأسباب التباعد، ليس فقط بين أعضاء المجتمعالواحد، بل بين مختلف المجتمعات المُكوِّنة لدول وبلدان العالم.

المفهوم الثالث: الحقيقة مجزوءة II: المعرفة حصري على أحلى باك .




مجزوءة II: المعرفة
 المفهوم الثالث: الحقيقة

* تقديم مفهوم الحقيقة
تُعَدُّ"الحقيقة" أحد المواضيع البديهية بالنسبة إلى معظم الناس، مما يجعلها موضوعاشائعا للتداول بينهم، بل هي أيضا مطلبٌ عامّ ومُهِمٌّ بالنسبة لكثير منهم. وتتعلقالحقيقة بالإنسان من حيث هو كائن فاعل يدخل في أنشطة معرفية وتواصلية بصدد "الواقع"،وهو الأمر الذي يطرح القيمة الفعلية لما يُنتَج من أفكار وأقوال من خلال تلكـ الأنشطةالتي تَهُمُّ تحويل وتغيير العالم الخارجي كوسط للحياة البشرية، وفي ارتباط به العالمالداخلي للإنسان. وفي المدى الذي تُعتبر المعرفة مجالا لبناء وسائل التمكين للفعلالإنساني، فإن "الحقيقة" تُشكِّل إحدى المشكلات الكبرى التي كانت ولاتزال تشغل الفكر الإنساني.   
* الوضعية-المشكلة
تُشير"الحقيقة" إما إلى "الواقع" وإما إلى "العقل" باعتباره"المرجع" في الحكم على صدق أو صحة أو صواب أفكارنا وأقوالنا. فهل تُعَدُّالحقيقة شيئا واقعيا قائما خارج الذات العارفة أم شيئا عقليا يُميِّز أحكامنا فيتعلُّقها بـ"الواقع" كموضوع لها؟ كيف يتحدد "الرأي" في علاقتهبـ"الحقيقة"؟ هل "الرأي" مجرد ظن شائع و"الحقيقة"يقين ثابت؟ كيف يُمكن التمييز بين "الحقيقة" و"اللاحقيقة"؟ وماهي المعايير التي تُمكِّن من ذلك؟ هل هي معايير "ذاتية" تُميِّز الشيءفي علاقته بنفسه أم أنها موضوعية تُحَدِّد الحكم المعرفي في إحالته إلى الموضوعاتالخارجية؟ وهل هي معايير "منطقية" تتسم بصفة الكليّة والإطلاق أم أنها "مادية"ذات طابع جزئي ونسبي؟ وما قيمة "الحقيقة" في حياة الناس؟ هل تكتسي "الحقيقة"أهمية تجعلها إحدى القيم الأساسية أم أنها ليست سوى قيمة ثانوية بالنسبة إلى"الحياة" كسيرورة واقعية؟ وهل تُعتبر "الحقيقة" غاية في ذاتهاأم أنها وسيلة في خدمة حاجات الحياة الإنسانية؟
1- الرأي والحقيقة
* تحديد الإطارالإشكالي: ما علاقة "الحقيقة" من حيث هي "يقين"بـ"الرأي" بما هو "ظن"؟ هل "الحقيقة" مُعطى شائع أمبناء خاص ومتميز عن "الحس المشترك" و"المعرفة العفوية"؟
* مفاصل المعالجة
هناكـ مقابلة شائعة منذالقديم تجعل "الحقيقة" (la vérité)تتميز عن "الرأي" (l’opinion). ونجد أن "أفلاطون" كان من أوائل الذينقابلوا بين "الحقيقة" و"الرأي"، إذ كان يعتبر "الرأي"(doxa) مجرد ظن أو تخمين مرتبط بالإدراكات الحسية لدى الإنسان العادي،في حين أن "الحقيقة" تتحدد كـ"معرفة" أو "علم" (épistêmé) يستند إلى التأمل العقلي الذي يَنْصَبُّعلى إدراكـ "المُثُل" كصُوَرٍ نموذجية للأشياء تُعَدُّ كاملة وكلية ومطلقةوخالدة. ويذهب "ديكارت" (1596-1650 [RenéDescartes]) إلىأننا نكتسب معارف كثيرة في الصِّغَر ولَمَّا نمتلكـ بعدُ قدرة الوعي الكاملة، وهيمعارف تستند بالأساس إلى مُدركَات الحواس التي تخدعنا ولا يمكن الثقة بها مطلقا. ولهذايجب أن نعمل على إعادة النظر فيها بصفتها جملة من الآراء المُسبقة أو الأحكامالمرسلة (des préjugés)، وذلكـ بممارسة نوع من "الشكـ المنهجي"الذي يتوخى بناء معرفة حقيقية، مما يُؤدي إلى الإمساكـ بأول يقين في "الكوجيطو"("أفكر، إذًا أنا موجود") كحدس يتَّصف بالبداهة والوضوح، ممّا يجعله نموذجاللحقيقة بما هي معرفة مُباشرة، أولية ومتميزة.
ويذهب "إيمانويل كانط"(1724-1804 [Immanuel Kant]) إلى أن "الاعتقاد" كقيمةذاتية للحكم له ثلاث درجات: "الرأي" و"الإيمان" و"المعرفة".فـ"الرأي" اعتقاد يُدركـ أنه غير كافٍ لا ذاتيا ولا موضوعيا، في حين أن "الإيمان"اعتقاد كافٍ ذاتيا وليس موضوعيا، أما "المعرفة" فهي ذاتُ كفايةٍ ذاتيةوموضوعية. وتُسمى الكفايةُ الذاتيةُ "اقتناعا" (من طرفي أنا وحدي)،بينما تُسمّى الكفايةُ الموضوعيةُ "يقينا" (بالنسبة لكل واحد). ومن هنا،من السُّخْف تكوين آراء في المعرفة الرياضية أو الأخلاقية التي تقوم على "اليقين".  
ومن زاوية أخرى، يؤكد "ﮔـاستونباشلار" (1884-1962 [Gaston Bachelard])أن العلم لا يبتدئ بـ"حقائق أُولى" أو "مبادئ أولية وبديهية"كما كان يظن "ديكارت"، بل يُوجد في أصل كل معرفة علمية خطأٌ معرفيٌّ يجبتصحيحه. فـ"الرأي" تفكيرٌ خاطئ، بل إن «الرأي لا يُفكر»، فهو استجابة لإلحاح الحاجات العملية في بحثها عن المنفعة المباشرة، ممايجعله "معرفة عفوية" تَعُوقُ اكتشاف "الحقيقة"، وبالتالي فلا بدمن نبذه والانفصال عنه بواسطة "قطيعة معرفية" تُمَكِّنُ من بناء موضوعالمعرفة وَفْق مقتضيات التفكير النظري المجرد عن كل الأغراض غير العلمية. وهكذا،فإن العلم لا يقوم على ما هو مُعطى وشائع، بل أساسه بناء منهجي يَطَّرِح المُسبقاتو"الفِكَر الشائعة" التي هي مُستنَد "الرأي" كحس مشترك أساسهما هو مألوف وما يبدو مفيدا في الحياة العادية.
* تركيب واستنتاج
في معظم الأحيان يتخذ الإنسانالعادي من مُدركاته ومألوفاته أساسا لنوع من "الرأي" يعتقد صحته وصوابه.لكن "الرأي" ليس، في الواقع، سوى "ظن" لا يرقى إلى درجة"المعرفة" التي يُمكن الوثوق بها على نحو موضوعي ويقيني، من حيث إنه لايُبنى بعيدا عن متطلبات الحاجات العملية المباشرة ولا يخضع لمقتضيات التفكيرالنظري والمنهجي الذي يُمكِّن من تجاوُز الأحكام المُرسلة والمسبقة في عفويتهاوتحيُّزها.
2- معايير الحقيقة
* تحديد الإطارالإشكالي: ما معيار "الحقيقة"؟ هل هو معيار واحد أممعايير متعددة؟ كيف يمكن التمييز بين "الحقيقة" و"اللاحقيقة"؟هل بالاستناد إلى معايير مادية وموضوعية أم معايير صُورِيَّة وذاتية؟ وهل هيمعايير كلية ومطلقة أم أنها جزئية ونسبية؟
* مفاصل المعالجة
في الغالب، تُميَّز"الحقيقة" عن أضدادها ("الخطأ"، "الكذب"، "الوهم")بالاستناد إلى معايير محددة. ونجد أن "ديكارت" يرى أن كون"الحقيقة" بداهةً ووضوحًا يجعل معيارها في ذاتها، أي أنها تتميز بالوضوحالذاتي الذي يفصلها عن كل ما يُمكن الشكـ فيه، مما هو مَبْنِيّ على مُعطيات الحسالخارجية التي لا يمكن الوثوق بها. غير أن "ليبنتس" (1646-1716[Leibniz]) يُلاحظ أن القول بالأفكار الواضحة والمتميزة ليس معيارا كافيا، إذ لا بدمن تحديد مُؤشرات لصفتي "واضحة" و"متميزة"، وبالتالي فإنحقيقة الأفكار تستند إلى "البُرهان"، حيث يجب ألا يُقبَل من الأفكار إلاما بُرهِن عليه بشكل سليم، فصار خاليًا من التناقض على مستوى "الصورة" وخاضعاللضرورة العقلية المُوجبة لِلُّزوم على مستوى "المادة". ومن هنا، فإن "ديفيدهيوم" (1711-1776 [David Hume]) يؤكد أن "الحقيقة"نوعان: صورية ومادية، الأولى معيارها الخُلُوّ من التناقض بين الأفكار (كما فيالمنطق والرياضيات)، والثانية معيارها مُوافقة الأحكام لموضوعاتها الخارجية. وعلىهذا الأساس، يرى "كنط" (1724-1804[ImmanuelKant])أن مشكلة معيار الحقيقة تقود إلى التمييز بين الجانب "المادي/الموضوعي"و"الجانب الصوري/الذاتي" في المعرفة، وبالتالي التساؤل عن طبيعة معيار "الحقيقة":هل هو معيارٌ كُلِّيٌّ ومادي أم أنه معيار كُلِّي وصوري؟ وينتهي "كنط"إلى تأكيد أن "الحقيقة" ليس لها معيار مادي وكلي، لأن ما هو مادي يتصلبموضوع خاص، ممّا يُوجِب الاتفاق بين المعرفة وموضوعها، في حين أنه عندما يتعلقالأمر بالحقيقة الصورية، فهناكـ بالفعل معايير كلية ومطلقة لأن هذا النوع منالمعرفة تكون فيه المطابقة بين الشيء وذاته، أي أن العلاقة داخليّة تقوم علىالمعايير المنطقية للفهم والعقل.     
لكن "مارتانهيدﮔـر" (1889-1976 [Martin Heidegger])يرى أن ماهية "الحقيقة" لا تقوم على مبدإ المُطابقة بين "العقل"و"الشيء" كما يُؤكد التقليد الميتافيزيقي في الفلسفة الغربية، فذاتالإنسان ليست هي مصدر أو مرجع "الحقيقة"، بل "الحقيقة" كشفٌوانكشاف (alétheia-dévoilement) للوجود الذي يُصدِر نداءً عبر الكلام المُنْشَإ فياللغات الفلسفية الكبرى والذي يُفيد تركـ الوجود ينكشف. ومن هنا فإن معيار "الحقيقة"لا يتمثل في المطابقة وإنما يتمثل في الانطلاق والانفتاح نحو الحرية، أي تركـ حركةالوجود في عفويتها وتلقائيتها تُمارس عمل الانكشاف والانحجاب كما يتجسد ذلك فيوجود الإنسان ككائن مُنفتِح على الوجود الكلي، أي بما هو "دازاين" (Dasein).  
* تركيب واستنتاج
تُميَّز "الحقيقة"عن أضدادها إما باعتبارها قيمةً صورية وذاتية قائمة على المطابقة الذاتية (عدمالتناقض) وإما بوصفها قيمةً مادية وموضوعية تُحدِّد المعرفة في علاقتها بالأشياءالخارجية (المُطابقة). لكن هناكـ من ينظر إلى "الحقيقة" كعلاقة بينالإنسان وحركة الوجود العام، ومعيارها الانفتاح على إمكانات الحرية التي تنكشف منخلال الاستماع لنداء الوجود. وفي جميع الأحوال، فإن معايير الحقيقة تُعَدُّ من بينالأسئلة التي تكشف عن انفتاح واستمرار إشكال مفهوم "الحقيقة" ذاته فيعلاقته بالمسيرة التاريخية والاجتماعية للإنسان ككائن معرفي.    
3- الحقيقة بوصفها قيمة
* تحديد الإطارالإشكالي: كيف تتحدد "الحقيقة" بصفتها "قيمة"؟هل هي غاية في ذاتها أم أنها وسيلة لبلوغ شيء آخر؟ هل تتحدد قيمتها على نحو نظريمجرد أم على نحو عملي وأخلاقي؟
* مفاصل المعالجة
يُنظَر إلى "الحقيقة"كنوع من الخير الذي يرغب فيه كل الناس. فكل امرئ يدَّعي أنه صادق ومُحِقٌّ فيمايقول ويفعل حتى حينما يكون كاذبا أو على باطل. فالحقيقة مطلبٌ لكل الناس، ممّايجعلها تبدو كنوع من "الغريزة". ونجد أن "فريدريكـ نيتشه" (1840-1900[Friedrich Nietzsche]) يتساءل عن أصل هذه الغريزة: من أينتأتي غريزة "الحقيقة"؟ وهل هناكـ رغبة غريزية في "الحقيقة" تُميِّزالإنسان؟ إن الفرد في نظر "نيتشه" يعمل أساسا على حفظ حياته من كلالتهديدات التي يتسبب فيها الآخرون. فلا شيء أهم في نظر الإنسان من استمراره فيالوجود، ممّا يجعله يبحث عن كل الوسائل التي تضمن بقاءه، وهذا ما يُؤدي إلى تسويغالكذب والخداع والنفاق وكل ما يُضادُّ "الحقيقة". فكل شيء في حياةالإنسان يدور حول غريزة الحياة ويقود، بالتالي، إلى الانصراف عن كل ما هو ضَارٌّ لِسَيْرالحياة ومُناقِض له. ومن هنا فإن"الحقيقة" مجموعة من الأوهام التي ثَبَتتاريخيا نفعُها للحياة الاجتماعية، بل إن "الحقيقة" في حَدِّ ذاتها مُؤذِيَةٌوقاتلة، وإنها أولَ ما تقتل، تقتل نفسها حينما تكتشف أن أساسها ليس سوى الخطإوالوهم المرتبط باللغة التي ليست سوى سلسلة لامتناهية من المجازات والاستعاراتوالتي لا يمكنها، من ثم، أن تُعبِّر مطلقا عن "ماهيات" أو"جواهر" الأشياء.       
وفي نفس السياق، يذهب "وليمجيمس" (1842-1910 [William James]) ضمن "فلسفةالعمل/الممارسة" (Le pragmatisme) إلى أن "الحقيقة"، كخاصية للأفكار فيمطابقتها للواقع، ليست نُسخةً مطابِقة للأصل الواقعي أو خاصيةً ثابتة مُلازِمةللأفكار، وإنما هي "حدث" و"صيرورة". فـ«الحقيقة شيءٌ يَحْدُثللفكرة من حيث إنها تصير حقيقية، أي أن الأحداث هيالتي تجعل الفكرة حقيقية». وبالتالي، فإن حقيقة فكرة ما تُعَدُّ حدثا يتمثل في سيرورة تحقُّقِها أوتَثَبُّتها من نفسها، إن صلاحيتها مرتبطةٌ بفعل إثبات صدقها وصوابها. وهكذافـ"الحقيقي" إنما هو "المُفيد" و"النافع" عمليّا، أيمن حيث كونُه سببا في النجاح العملي ومن جهة قدرته على توجيهنا وقيادتنا بشكل كافٍوناجع في الحياة. ولهذا فإن امتلاكـ "أفكار حقيقية" معناه امتلاكـ أدواتناجعة للعمل، وإذا كانت "الحقيقة" تفرض نفسها كواجب، فليس بفعل قوة ما،حتى لو كانت قوة العقل نفسه، وإنما لأن هناكـ مُبرِّرات عملية قوية تجعل القيمةالعملية للأفكار مبنية على المنفعة الفعليّة التي تكتسيها في نظرنا مواضيعها.             
* تركيب واستنتاج
في الوقت الذي يَغْلِبتحديد "الحقيقة" كقيمة في ذاتها أو كخاصية مُلازمة للفكر الإنساني (في تَعالِيهعلى الواقع التاريخي والاجتماعي للإنسان الذي يَتَّسم بالتغيّر الدائم والتناقضالعميق)، يذهب بعض المفكرين والفلاسفة إلى أن "الحقيقة" لا تكتسي صفة "القيمة"إلا في ارتباطها بالممارسة العملية، حيث إنها كأخلاق إنجازية مرتبطة بالتاريخوالسياسة، مما يُؤكِّد نسبيتها وتحيُّزها. ومن هنا، فإن النظر إلى"الحقيقة" كبِناء عقلي كُلِّي (universel)له شروط تاريخية واجتماعية هي التي تجعله مُمكنًا وتتحكم في إنتاجه وتداوُله.
* خلاصة عامة للمفهوم
ترتبط"الحقيقة" بعدد من الأسئلة الإشكالية التي تدور حول إدراكاتنا وأفعالنافي تعلُّقها بـ"الواقع" كما يتجسد، لا فقط في الأشياء الخارجية، وإنماأيضا في الأحداث التي تُشَكِّلُ "اللغة" و"العقل"و"التاريخ" من حيث هي جِمَاعُ التجربة الإنسانية كتجربة جَماعيةوموضوعية لا يمكن قيام الفعل الإنساني إلا من خلالها. ومن هنا، فإن تناول"الحقيقة" يقود إلى تَبَيُّن إمكانات المعرفة الإنسانية وحدودها ضمنمجموع الشروط التي تُحَدِّدُ الفاعلية البشرية المتعلقة بإدراك العالم وتحويله،وذلك على النحو الذي يكشف عن كون "المعرفة" تُمثِّل سيرورةً تستدعيتجاوز بادئ الرأي في وُضوحه البديهي وعفويته الجارفة من أجل التساؤل عن مقتضياتالبناء المنهجي للعمل المعرفي كطلب ضروري للحقيقة وكأُفق مُستمر لها. ومن ثم، يأتيالتفكير في الإجراءات المُمكِّنة من تمييز ما هو حقيقي عن غيره ومن تحديد أهميةالفعل الإنساني المتعلق بـ"الحقيقة" بما هي قيمة في إطار الحياةالأخلاقية والسياسية والاقتصادية كجُملة من الأنشطة التي تتركّز على ما هو مُفيدونافع في السعي الفعلي نحو النجاح والقوة، الأمر الذي يجعل "الحقيقة"رهانًا للحياة البشرية بكاملها، رهانًا يُؤدي إلى وضعها في بُؤرة التنازُع كـ"إرادةللقوة".