مجزوءة II: المعرفة
* تقديم مفهوم الحقيقة
تُعَدُّ"الحقيقة" أحد المواضيع البديهية بالنسبة إلى معظم الناس، مما يجعلها موضوعاشائعا للتداول بينهم، بل هي أيضا مطلبٌ عامّ ومُهِمٌّ بالنسبة لكثير منهم. وتتعلقالحقيقة بالإنسان من حيث هو كائن فاعل يدخل في أنشطة معرفية وتواصلية بصدد "الواقع"،وهو الأمر الذي يطرح القيمة الفعلية لما يُنتَج من أفكار وأقوال من خلال تلكـ الأنشطةالتي تَهُمُّ تحويل وتغيير العالم الخارجي كوسط للحياة البشرية، وفي ارتباط به العالمالداخلي للإنسان. وفي المدى الذي تُعتبر المعرفة مجالا لبناء وسائل التمكين للفعلالإنساني، فإن "الحقيقة" تُشكِّل إحدى المشكلات الكبرى التي كانت ولاتزال تشغل الفكر الإنساني.
* الوضعية-المشكلة
تُشير"الحقيقة" إما إلى "الواقع" وإما إلى "العقل" باعتباره"المرجع" في الحكم على صدق أو صحة أو صواب أفكارنا وأقوالنا. فهل تُعَدُّالحقيقة شيئا واقعيا قائما خارج الذات العارفة أم شيئا عقليا يُميِّز أحكامنا فيتعلُّقها بـ"الواقع" كموضوع لها؟ كيف يتحدد "الرأي" في علاقتهبـ"الحقيقة"؟ هل "الرأي" مجرد ظن شائع و"الحقيقة"يقين ثابت؟ كيف يُمكن التمييز بين "الحقيقة" و"اللاحقيقة"؟ وماهي المعايير التي تُمكِّن من ذلك؟ هل هي معايير "ذاتية" تُميِّز الشيءفي علاقته بنفسه أم أنها موضوعية تُحَدِّد الحكم المعرفي في إحالته إلى الموضوعاتالخارجية؟ وهل هي معايير "منطقية" تتسم بصفة الكليّة والإطلاق أم أنها "مادية"ذات طابع جزئي ونسبي؟ وما قيمة "الحقيقة" في حياة الناس؟ هل تكتسي "الحقيقة"أهمية تجعلها إحدى القيم الأساسية أم أنها ليست سوى قيمة ثانوية بالنسبة إلى"الحياة" كسيرورة واقعية؟ وهل تُعتبر "الحقيقة" غاية في ذاتهاأم أنها وسيلة في خدمة حاجات الحياة الإنسانية؟
1- الرأي والحقيقة
* تحديد الإطارالإشكالي: ما علاقة "الحقيقة" من حيث هي "يقين"بـ"الرأي" بما هو "ظن"؟ هل "الحقيقة" مُعطى شائع أمبناء خاص ومتميز عن "الحس المشترك" و"المعرفة العفوية"؟
* مفاصل المعالجة
هناكـ مقابلة شائعة منذالقديم تجعل "الحقيقة" (la vérité)تتميز عن "الرأي" (l’opinion). ونجد أن "أفلاطون" كان من أوائل الذينقابلوا بين "الحقيقة" و"الرأي"، إذ كان يعتبر "الرأي"(doxa) مجرد ظن أو تخمين مرتبط بالإدراكات الحسية لدى الإنسان العادي،في حين أن "الحقيقة" تتحدد كـ"معرفة" أو "علم" (épistêmé) يستند إلى التأمل العقلي الذي يَنْصَبُّعلى إدراكـ "المُثُل" كصُوَرٍ نموذجية للأشياء تُعَدُّ كاملة وكلية ومطلقةوخالدة. ويذهب "ديكارت" (1596-1650 [RenéDescartes]) إلىأننا نكتسب معارف كثيرة في الصِّغَر ولَمَّا نمتلكـ بعدُ قدرة الوعي الكاملة، وهيمعارف تستند بالأساس إلى مُدركَات الحواس التي تخدعنا ولا يمكن الثقة بها مطلقا. ولهذايجب أن نعمل على إعادة النظر فيها بصفتها جملة من الآراء المُسبقة أو الأحكامالمرسلة (des préjugés)، وذلكـ بممارسة نوع من "الشكـ المنهجي"الذي يتوخى بناء معرفة حقيقية، مما يُؤدي إلى الإمساكـ بأول يقين في "الكوجيطو"("أفكر، إذًا أنا موجود") كحدس يتَّصف بالبداهة والوضوح، ممّا يجعله نموذجاللحقيقة بما هي معرفة مُباشرة، أولية ومتميزة.
ويذهب "إيمانويل كانط"(1724-1804 [Immanuel Kant]) إلى أن "الاعتقاد" كقيمةذاتية للحكم له ثلاث درجات: "الرأي" و"الإيمان" و"المعرفة".فـ"الرأي" اعتقاد يُدركـ أنه غير كافٍ لا ذاتيا ولا موضوعيا، في حين أن "الإيمان"اعتقاد كافٍ ذاتيا وليس موضوعيا، أما "المعرفة" فهي ذاتُ كفايةٍ ذاتيةوموضوعية. وتُسمى الكفايةُ الذاتيةُ "اقتناعا" (من طرفي أنا وحدي)،بينما تُسمّى الكفايةُ الموضوعيةُ "يقينا" (بالنسبة لكل واحد). ومن هنا،من السُّخْف تكوين آراء في المعرفة الرياضية أو الأخلاقية التي تقوم على "اليقين".
ومن زاوية أخرى، يؤكد "ﮔـاستونباشلار" (1884-1962 [Gaston Bachelard])أن العلم لا يبتدئ بـ"حقائق أُولى" أو "مبادئ أولية وبديهية"كما كان يظن "ديكارت"، بل يُوجد في أصل كل معرفة علمية خطأٌ معرفيٌّ يجبتصحيحه. فـ"الرأي" تفكيرٌ خاطئ، بل إن «الرأي لا يُفكر»، فهو استجابة لإلحاح الحاجات العملية في بحثها عن المنفعة المباشرة، ممايجعله "معرفة عفوية" تَعُوقُ اكتشاف "الحقيقة"، وبالتالي فلا بدمن نبذه والانفصال عنه بواسطة "قطيعة معرفية" تُمَكِّنُ من بناء موضوعالمعرفة وَفْق مقتضيات التفكير النظري المجرد عن كل الأغراض غير العلمية. وهكذا،فإن العلم لا يقوم على ما هو مُعطى وشائع، بل أساسه بناء منهجي يَطَّرِح المُسبقاتو"الفِكَر الشائعة" التي هي مُستنَد "الرأي" كحس مشترك أساسهما هو مألوف وما يبدو مفيدا في الحياة العادية.
* تركيب واستنتاج
في معظم الأحيان يتخذ الإنسانالعادي من مُدركاته ومألوفاته أساسا لنوع من "الرأي" يعتقد صحته وصوابه.لكن "الرأي" ليس، في الواقع، سوى "ظن" لا يرقى إلى درجة"المعرفة" التي يُمكن الوثوق بها على نحو موضوعي ويقيني، من حيث إنه لايُبنى بعيدا عن متطلبات الحاجات العملية المباشرة ولا يخضع لمقتضيات التفكيرالنظري والمنهجي الذي يُمكِّن من تجاوُز الأحكام المُرسلة والمسبقة في عفويتهاوتحيُّزها.
2- معايير الحقيقة
* تحديد الإطارالإشكالي: ما معيار "الحقيقة"؟ هل هو معيار واحد أممعايير متعددة؟ كيف يمكن التمييز بين "الحقيقة" و"اللاحقيقة"؟هل بالاستناد إلى معايير مادية وموضوعية أم معايير صُورِيَّة وذاتية؟ وهل هيمعايير كلية ومطلقة أم أنها جزئية ونسبية؟
* مفاصل المعالجة
في الغالب، تُميَّز"الحقيقة" عن أضدادها ("الخطأ"، "الكذب"، "الوهم")بالاستناد إلى معايير محددة. ونجد أن "ديكارت" يرى أن كون"الحقيقة" بداهةً ووضوحًا يجعل معيارها في ذاتها، أي أنها تتميز بالوضوحالذاتي الذي يفصلها عن كل ما يُمكن الشكـ فيه، مما هو مَبْنِيّ على مُعطيات الحسالخارجية التي لا يمكن الوثوق بها. غير أن "ليبنتس" (1646-1716[Leibniz]) يُلاحظ أن القول بالأفكار الواضحة والمتميزة ليس معيارا كافيا، إذ لا بدمن تحديد مُؤشرات لصفتي "واضحة" و"متميزة"، وبالتالي فإنحقيقة الأفكار تستند إلى "البُرهان"، حيث يجب ألا يُقبَل من الأفكار إلاما بُرهِن عليه بشكل سليم، فصار خاليًا من التناقض على مستوى "الصورة" وخاضعاللضرورة العقلية المُوجبة لِلُّزوم على مستوى "المادة". ومن هنا، فإن "ديفيدهيوم" (1711-1776 [David Hume]) يؤكد أن "الحقيقة"نوعان: صورية ومادية، الأولى معيارها الخُلُوّ من التناقض بين الأفكار (كما فيالمنطق والرياضيات)، والثانية معيارها مُوافقة الأحكام لموضوعاتها الخارجية. وعلىهذا الأساس، يرى "كنط" (1724-1804[ImmanuelKant])أن مشكلة معيار الحقيقة تقود إلى التمييز بين الجانب "المادي/الموضوعي"و"الجانب الصوري/الذاتي" في المعرفة، وبالتالي التساؤل عن طبيعة معيار "الحقيقة":هل هو معيارٌ كُلِّيٌّ ومادي أم أنه معيار كُلِّي وصوري؟ وينتهي "كنط"إلى تأكيد أن "الحقيقة" ليس لها معيار مادي وكلي، لأن ما هو مادي يتصلبموضوع خاص، ممّا يُوجِب الاتفاق بين المعرفة وموضوعها، في حين أنه عندما يتعلقالأمر بالحقيقة الصورية، فهناكـ بالفعل معايير كلية ومطلقة لأن هذا النوع منالمعرفة تكون فيه المطابقة بين الشيء وذاته، أي أن العلاقة داخليّة تقوم علىالمعايير المنطقية للفهم والعقل.
لكن "مارتانهيدﮔـر" (1889-1976 [Martin Heidegger])يرى أن ماهية "الحقيقة" لا تقوم على مبدإ المُطابقة بين "العقل"و"الشيء" كما يُؤكد التقليد الميتافيزيقي في الفلسفة الغربية، فذاتالإنسان ليست هي مصدر أو مرجع "الحقيقة"، بل "الحقيقة" كشفٌوانكشاف (alétheia-dévoilement) للوجود الذي يُصدِر نداءً عبر الكلام المُنْشَإ فياللغات الفلسفية الكبرى والذي يُفيد تركـ الوجود ينكشف. ومن هنا فإن معيار "الحقيقة"لا يتمثل في المطابقة وإنما يتمثل في الانطلاق والانفتاح نحو الحرية، أي تركـ حركةالوجود في عفويتها وتلقائيتها تُمارس عمل الانكشاف والانحجاب كما يتجسد ذلك فيوجود الإنسان ككائن مُنفتِح على الوجود الكلي، أي بما هو "دازاين" (Dasein).
* تركيب واستنتاج
تُميَّز "الحقيقة"عن أضدادها إما باعتبارها قيمةً صورية وذاتية قائمة على المطابقة الذاتية (عدمالتناقض) وإما بوصفها قيمةً مادية وموضوعية تُحدِّد المعرفة في علاقتها بالأشياءالخارجية (المُطابقة). لكن هناكـ من ينظر إلى "الحقيقة" كعلاقة بينالإنسان وحركة الوجود العام، ومعيارها الانفتاح على إمكانات الحرية التي تنكشف منخلال الاستماع لنداء الوجود. وفي جميع الأحوال، فإن معايير الحقيقة تُعَدُّ من بينالأسئلة التي تكشف عن انفتاح واستمرار إشكال مفهوم "الحقيقة" ذاته فيعلاقته بالمسيرة التاريخية والاجتماعية للإنسان ككائن معرفي.
3- الحقيقة بوصفها قيمة
* تحديد الإطارالإشكالي: كيف تتحدد "الحقيقة" بصفتها "قيمة"؟هل هي غاية في ذاتها أم أنها وسيلة لبلوغ شيء آخر؟ هل تتحدد قيمتها على نحو نظريمجرد أم على نحو عملي وأخلاقي؟
* مفاصل المعالجة
يُنظَر إلى "الحقيقة"كنوع من الخير الذي يرغب فيه كل الناس. فكل امرئ يدَّعي أنه صادق ومُحِقٌّ فيمايقول ويفعل حتى حينما يكون كاذبا أو على باطل. فالحقيقة مطلبٌ لكل الناس، ممّايجعلها تبدو كنوع من "الغريزة". ونجد أن "فريدريكـ نيتشه" (1840-1900[Friedrich Nietzsche]) يتساءل عن أصل هذه الغريزة: من أينتأتي غريزة "الحقيقة"؟ وهل هناكـ رغبة غريزية في "الحقيقة" تُميِّزالإنسان؟ إن الفرد في نظر "نيتشه" يعمل أساسا على حفظ حياته من كلالتهديدات التي يتسبب فيها الآخرون. فلا شيء أهم في نظر الإنسان من استمراره فيالوجود، ممّا يجعله يبحث عن كل الوسائل التي تضمن بقاءه، وهذا ما يُؤدي إلى تسويغالكذب والخداع والنفاق وكل ما يُضادُّ "الحقيقة". فكل شيء في حياةالإنسان يدور حول غريزة الحياة ويقود، بالتالي، إلى الانصراف عن كل ما هو ضَارٌّ لِسَيْرالحياة ومُناقِض له. ومن هنا فإن"الحقيقة" مجموعة من الأوهام التي ثَبَتتاريخيا نفعُها للحياة الاجتماعية، بل إن "الحقيقة" في حَدِّ ذاتها مُؤذِيَةٌوقاتلة، وإنها أولَ ما تقتل، تقتل نفسها حينما تكتشف أن أساسها ليس سوى الخطإوالوهم المرتبط باللغة التي ليست سوى سلسلة لامتناهية من المجازات والاستعاراتوالتي لا يمكنها، من ثم، أن تُعبِّر مطلقا عن "ماهيات" أو"جواهر" الأشياء.
وفي نفس السياق، يذهب "وليمجيمس" (1842-1910 [William James]) ضمن "فلسفةالعمل/الممارسة" (Le pragmatisme) إلى أن "الحقيقة"، كخاصية للأفكار فيمطابقتها للواقع، ليست نُسخةً مطابِقة للأصل الواقعي أو خاصيةً ثابتة مُلازِمةللأفكار، وإنما هي "حدث" و"صيرورة". فـ«الحقيقة شيءٌ يَحْدُثللفكرة من حيث إنها تصير حقيقية، أي أن الأحداث هيالتي تجعل الفكرة حقيقية». وبالتالي، فإن حقيقة فكرة ما تُعَدُّ حدثا يتمثل في سيرورة تحقُّقِها أوتَثَبُّتها من نفسها، إن صلاحيتها مرتبطةٌ بفعل إثبات صدقها وصوابها. وهكذافـ"الحقيقي" إنما هو "المُفيد" و"النافع" عمليّا، أيمن حيث كونُه سببا في النجاح العملي ومن جهة قدرته على توجيهنا وقيادتنا بشكل كافٍوناجع في الحياة. ولهذا فإن امتلاكـ "أفكار حقيقية" معناه امتلاكـ أدواتناجعة للعمل، وإذا كانت "الحقيقة" تفرض نفسها كواجب، فليس بفعل قوة ما،حتى لو كانت قوة العقل نفسه، وإنما لأن هناكـ مُبرِّرات عملية قوية تجعل القيمةالعملية للأفكار مبنية على المنفعة الفعليّة التي تكتسيها في نظرنا مواضيعها.
* تركيب واستنتاج
في الوقت الذي يَغْلِبتحديد "الحقيقة" كقيمة في ذاتها أو كخاصية مُلازمة للفكر الإنساني (في تَعالِيهعلى الواقع التاريخي والاجتماعي للإنسان الذي يَتَّسم بالتغيّر الدائم والتناقضالعميق)، يذهب بعض المفكرين والفلاسفة إلى أن "الحقيقة" لا تكتسي صفة "القيمة"إلا في ارتباطها بالممارسة العملية، حيث إنها كأخلاق إنجازية مرتبطة بالتاريخوالسياسة، مما يُؤكِّد نسبيتها وتحيُّزها. ومن هنا، فإن النظر إلى"الحقيقة" كبِناء عقلي كُلِّي (universel)له شروط تاريخية واجتماعية هي التي تجعله مُمكنًا وتتحكم في إنتاجه وتداوُله.
* خلاصة عامة للمفهوم
ترتبط"الحقيقة" بعدد من الأسئلة الإشكالية التي تدور حول إدراكاتنا وأفعالنافي تعلُّقها بـ"الواقع" كما يتجسد، لا فقط في الأشياء الخارجية، وإنماأيضا في الأحداث التي تُشَكِّلُ "اللغة" و"العقل"و"التاريخ" من حيث هي جِمَاعُ التجربة الإنسانية كتجربة جَماعيةوموضوعية لا يمكن قيام الفعل الإنساني إلا من خلالها. ومن هنا، فإن تناول"الحقيقة" يقود إلى تَبَيُّن إمكانات المعرفة الإنسانية وحدودها ضمنمجموع الشروط التي تُحَدِّدُ الفاعلية البشرية المتعلقة بإدراك العالم وتحويله،وذلك على النحو الذي يكشف عن كون "المعرفة" تُمثِّل سيرورةً تستدعيتجاوز بادئ الرأي في وُضوحه البديهي وعفويته الجارفة من أجل التساؤل عن مقتضياتالبناء المنهجي للعمل المعرفي كطلب ضروري للحقيقة وكأُفق مُستمر لها. ومن ثم، يأتيالتفكير في الإجراءات المُمكِّنة من تمييز ما هو حقيقي عن غيره ومن تحديد أهميةالفعل الإنساني المتعلق بـ"الحقيقة" بما هي قيمة في إطار الحياةالأخلاقية والسياسية والاقتصادية كجُملة من الأنشطة التي تتركّز على ما هو مُفيدونافع في السعي الفعلي نحو النجاح والقوة، الأمر الذي يجعل "الحقيقة"رهانًا للحياة البشرية بكاملها، رهانًا يُؤدي إلى وضعها في بُؤرة التنازُع كـ"إرادةللقوة".

